الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
321
تفسير روح البيان
من ذي الحجة يستقر الناس فيه بمنى . والثاني يوم النفر الأول لان بعض الناس ينفرون في هذا اليوم من منى . والثالث يوم النفر الثاني وهذه الأيام الثلاثة مع يوم النحر أيام رمى الجمار وأيام التكبير ادبار الصلوات وفي الحديث ( كبر دبر كل صلاة من يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق ) وسميت معدودات لقلتهن كقوله تعالى دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ اى قليلة . والأيام المعلومات في قوله تعالى وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيام معلومات في سورة الحج عشر ذي الحجة آخرهن يوم النحر * وفي الكواشي معدودات جمع معدودة وأيام جمع يوم ولا ينعت المذكر بمؤنث فلا يقال يوم معدودة وقياسه في أيام معدودة لان الجمع قد ينعت بالمؤنث كقوله تعالى لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قالوا ووجهه انه اجرى معدودات على لفظ أيام وقابل الجمع بالجمع مجازا انتهى فَمَنْ تَعَجَّلَ اى استعجل وطلب الخروج من منى فِي يَوْمَيْنِ في تمام يومين بعد يوم النحر واكتفى برمى الجمار في يومين من هذه الأيام الثلاثة فلم يمكث حتى يرمى في اليوم الثالث فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ بهذا التعجيل وهو مرخص له فعند أبى حنيفة رحمه اللّه ينفر قبل طلوع الفجر من اليوم الثالث ومحصله ان على الحاج ان يبيت بمنى الليلة الأولى والثانية من أيام التشريق ويرمى كل يوم بعد الزوال احدى وعشرين حصاة عند كل جمرة سبع حصيات ورخص في ترك البيتوتة لرعاء الإبل وأهل سقاية الحاج ثم كل من رمى اليوم الثاني من أيام التشريق وأراد ان ينفر بعد البيتوتة في الليلة الأولى والثانية من أيام التشريق ورمى يوميهما فذلك له واسع لقوله تعالى فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ومن لم ينفر حتى غربت الشمس فعليه ان يبيت حتى يرمى اليوم الثالث ثم ينفر وَمَنْ تَأَخَّرَ عن الخروج حتى رمى في اليوم الثالث قبل الزوال أو بعده ثم يخرج إذا فرغ من رمى الجمار كما يفعل الناس الآن وهو مذهب الشافعي والإمامين فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ بترك الترخص والمعنى انهم مخيرون بين التعجيل والتأخير * فان قلت أليس التأخير بأفضل * قلت بلى ويجوز ان يقع التخيير بين الفاضل والأفضل كما خير المسافر بين الصوم والإفطار وان كان الصوم أفضل وانما أورد بنفي الإثم تصريحا بالرد على أهل الجاهلية حيث كانوا فريقين منهم من جعل المتعجل آثما ومنهم من جعل المتأخر آثما فورد القرآن بنفي الإثم عنهما جميعا لِمَنِ اتَّقى خبر مبتدأ محذوف اى الذي ذكر من التخيير ونفى الإثم عن المتعجل والمتأخر لمن اتقى اى مختص بمن اتقى المناهي لأنه الحاج على الحقيقة والمنتفع به لأنه تعالى قال إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ومن كان ملوثا بالمعاصي قبل حجه وحين اشتغاله به لا ينفعه حجه وان كان قدادى الفرائض ظاهرا وَاتَّقُوا اللَّهَ اى حال الاشتغال باعمال الحج وبعده ليعتد بأعمالكم فان المعاصي تأكل الحسنات عند الموازنة وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ اى تبعثون وتجمعون للجزاء على أعمالكم وهو تأكيد للامر بالتقوى وموجب للامتثال به فان علم بالحشر والمحاسبة والجزاء كان ذلك من أقوى الدواعي إلى ملازمة التقوى وكانوا إذا رجعوا من حجهم يجترئون على اللّه بالمعاصي فشدد في تحذيرهم * قال أبو العالية يجيئ الحاج يوم القيامة ولا اثم عليه إذا اتقى فيما بقي من عمره فلم يرتكب ذنبا بعد ما غفر له في الحج والمذنب المصر إذا حج فلا يقبل منه لعوده إلى ما كان عليه فعلامة الحج المبرور ان يرجع زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة فإذا